الراغب الأصفهاني
84
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ومن زعم أن الإنسان خلق خلقة ناقصة عن الوحشيات من حيث أنه لم يكف الملبس كما كفيته ، ولم يعط سلاحا في ذاته كما أعطى كثير منها ، فنظره ناقص إذ قد أعطي الإنسان بدل ذلك التمييز الذي يمكنه أن يتخذ به كل ملبس وكل سلاح حسب ما يريده ، فيتناوله متى أراد ، ويضعه متى أحب . ثم لو أعطي الإنسان بعض الأسلحة التي أعطيتها ( الوحشيات ) لم يمكنه أن يستعمل غيره كالوحشيات ، وأيضا فلو أعطي ذلك لكان من الحق أن لا يعطى التمييز لأنه حينئذ كان يستغني عنه فتبطل فائدته ، وفعل اللّه تعالى منزه عن ذلك . فإن قيل وكيف قال تعالى : وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً « 1 » فاستضعفه « 2 » ؟ قيل ضعفه بالإضافة إلى الملأ الأعلى لما فيه من الحاجات البدنية التي قد كفيها أولئك « 3 » . واعلم أن كل ما أوجد في هذا العالم فإنما أوجد لأجل الإنسان إما لانتفاعه به كالخيل والبغال والحمير ، أو الأغذية له كالبقر والغنم والحبوب والثمار ، وإما لانتفاع ما ينتفع به الإنسان كالعشب والحشرات ، وما لا يعرف الإنسان نفعه فليس يخرج عن كونه نافعا ، وقد بين الحكماء نفع جلها ، وما لا سبيل لبعضنا أو لكلنا إلى معرفة نفعه فليس جهلنا به قادحا في حكمة اللّه تعالى في إيجاده . ورب شيء جهلنا نفعه وقد سخر لمعرفته بعض الحيوان ، كالشجر الذي فيه العسل بالقوة . وما سخر لمعرفته واستخراجه إلا النحل ، وما أليق من أنكر حكمة اللّه تعالى لجهله أن ينشد :
--> ( 1 ) النساء / 28 . ( 2 ) تفردت المطبوعة بزيادة فاستضعفه بعد الآية ، والمعنى يتم بدونها . وقد وجدتها في د مشطوبة من المصحح . ( 3 ) كلمة أولئك ساقطة من د ، ط .